ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
33
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وقد أغفل كثير من الشعراء ذلك ، فمن جملتهم أبو الطيب المتنبي في قوله « 1 » : يا بدر يا بحر يا غمامة يا * ليت الشّرى يا حمام يا رجل « 2 » وينبغي أن يبدأ فيه بالأدنى فالأدنى ، فإنه إذا فعل ذلك كان كالمرتفع من محل إلى محل أعلى منه ، وإذا خالفه كان كالمنخفض من محل إلى محل أدنى منه ، فأما قوله « يا بدر » فإنه اسم الممدوح ، والابتداء به أولى ، ثم بعده فيجب أن يقول : يا رجل ، يا ليث ، يا غمامة ، يا بحر ، يا حمام ؛ لأن الليث أعظم من الرجل ، والبحر أعظم من الغمامة ، والحمام أعظم من البحر ، وهذا مقام مدح فيجب أن يرقى فيه من منزلة إلى منزلة حتى ينتهي إلى المنزلة العليا آخرا « 3 » ، ولو كان مقام ذم لعكس القضية . وعلى مثله ورد قول أبي تمام يفتخر « 4 » : سما بي أوس في الفخار وحاتم * وزيد القنا والأثرمان ورافع « 5 »
--> ( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها بدر بن عمار وقد فصد لعلة ، وأولها قوله : أبعد نأي المليحة البخل * في البعد ما لا تكلّف الإبل ( 2 ) يقول : يا بدر أنت في وجودك بحر وسحاب ، وفي إقدامك وشجاعتك ليث ، وفي تمكنك من قتل الأعداء موت ، وقد جمعت كل هذه الصفات وأنت مع ذلك رجل . والشرى : مكان تنسب إليه الأسود . والحمام - بكسر الحاء المهملة - الموت . ( 3 ) لا نسلم للمؤلف هذا الاعتراض ؛ لأن الذي ذكره إنما يتجه لو كان يشبهه بشيئين في شيء واحد ؛ أما وهو يريد بكل واحد لا يتلاقى مع الباقي كما بيناه في شرح البيت فهو بالخيار في أن يقدم أيها شاء . ( 4 ) من قصيدة له يفتخر فيها ويصف قومه ، وأولها قوله : ألا صنع البين الّذي هو صانع * فإن تك مجزاعا فما البين جازع وانظر الديوان ( 477 بيروت ) : ( 5 ) رواية الديوان هكذا . سما بي أوس في السّماح وحاتم * وزيد القنا والأثرمان ونافع